ركلات الترجيح.. الحل "القاتل" لإنهاء "النظام القاسي"

ركلات الترجيح بين وست هام يونايتد وبرينتفورد في كأس الاتحاد الإنجليزي - 9 مارس 2026 - Reuters
ركلات الترجيح بين وست هام يونايتد وبرينتفورد في كأس الاتحاد الإنجليزي - 9 مارس 2026 - Reuters
دبي -الشرق

في أمسية دافئة في 5 أغسطس 1970، كان عالم كرة القدم على موعد مع مشاهدة أول ركلات ترجيح في التاريخ.

ففي ملعب بوثفيري بارك بمدينة هال، سيطر التعادل 1-1 على مواجهة هال سيتي ومانشستر يونايتد في مباراة كأس.

وقبل ذلك بستة أسابيع، قرر مُشرّعو كرة القدم إنهاء نظام القرعة لتحديد الفائز، بالاعتماد على نظام جديد، حيث يُسمح لكل فريق بخمس ركلات من علامة الجزاء، والتي عرفت باسم ركلات الترجيح.

وبث برنامج "Sporting Witness" في "BBC" مقابلة مع مارتن كيلي مشجع هال سيتي، والذي كان حاضراً في الملعب، ليشهد أول ركلة ترجيح في تاريخ كرة القدم، والتي سددها جورج بست أسطورة مانشستر يونايتد.

لكن لم يكن أحد يعلم حينها أن هذه الطريقة الجديدة لحسم مباريات الكؤوس، ستتحول إلى تجربة مرهقة للأعصاب، لدرجة أن بعض المشجعين واللاعبين والمدربين بالكاد يستطيعون تحملها.

وفي الماضي، كانت مباريات الكؤوس أو أدوار خروج المغلوب التي تنتهي بالتعادل تُحسم بإعادة المباراة، أو بالقرعة.

فينيسيوس جونيور أثناء تنفيذ ركلة جزاء خلال مباراة مانشستر سيتي وريال مدريد بدوري أبطال أوروبا - 17 مارس 2026
فينيسيوس جونيور أثناء تنفيذ ركلة جزاء خلال مباراة مانشستر سيتي وريال مدريد بدوري أبطال أوروبا - 17 مارس 2026 - Reuters

ففي بطولة أوروبا 1968، تأهلت إيطاليا إلى المباراة النهائية بعد تخمين صحيح لنتيجة القرعة (صورة أم كتابة) عقب تعادلها سلبياً مع الاتحاد السوفيتي.

ثم انتهت المباراة النهائية ضد يوغوسلافيا بالتعادل 1-1، وفازت إيطاليا في النهاية 2-0 بعد يومين عندما التقى الفريقان لخوض مباراة إعادة.

وكان مايكل ألموغ ويوسف داغان أول من اقترحا تغيير هذا النظام بشكل رسمي إلى الاتحاد الدولي "فيفا" في 1969.

في الرسالة، اقترح ألموغ "وقف تحديد الفائز عن طريق القرعة، وهي طريقة غير أخلاقية، بل وقاسية، بالنسبة للفريق الخاسر، وغير مشرفة للفريق الفائز".

ودعا إلى استبدالها بركلات ترجيح من خمس ركلات لكل فريق. وإذا استمر التعادل بعد ذلك، تستمر الموجاهة حتى يُهدر أحد الفريقين ركلة ويسجل الآخر.

ونوقش الاقتراح قبل أن يتبناه في نهاية المطاف مجلس الاتحاد الدولي، وهي الجهة المسؤولة عن قوانين كرة القدم، خلال اجتماعه السنوي في 27 يونيو 1970.

وإلى جانب القرعة، ورمي العملات المعدنية، وإعادة المباريات، كانت هناك طرق أخرى لحسم التعادل على مر السنين، منها تقاسم الألقاب أو احتساب الركنيات.

عندما طلبت "بي.بي.سي" من "فيفا" تأكيد ما إذا كانت ركلات الترجيح في كأس واتني هي أول ركلات ترجيح رسمية، جاء رد الاتحاد بأنه لا يملك "أي سجلات تؤكد أو تنفي هذا الادعاء".

لكن المتحف الوطني لكرة القدم يوضح أن هذه المباراة باعتبارها أول ركلات ترجيح في إنجلترا.

واستمرت العديد من المسابقات، بما في ذلك كأس الاتحاد الإنجليزي، في الاعتماد على نظام الإعادة.

وفي موسم 1990-1991، قرر الاتحاد الإنجليزي الاعتماد على ركلات الترجيح في كأس الاتحاد إذا استمر التعادل في مباريات الإعادة.

وبعد قرار مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم في ١٩٧٠، سنحت الفرصة الأولى لاستخدام ركلات الترجيح لحسم مباراة كرة قدم احترافية.

نظام أقل قسوة؟

في تلك الأمسية في هال، خلال بطولة كأس واتني، وهي بطولة ودية قبل انطلاق الموسم، جاء الرد.

وأبلغ كيلي برنامج: "لم أصدق أن فريقي هال سيتي سيواجه جورج بست وبوبي تشارلتون، ودينيس لو، فهذا أشبه بوجود ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو وكيليان مبابي في فريق واحد".

لامين يامال يسجل من ركلة جزاء هدف التعادل لبرشلونة بمواجهة نيوكاسل في ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا - 10 مارس 2026
لامين يامال يسجل من ركلة جزاء هدف التعادل لبرشلونة بمواجهة نيوكاسل في ذهاب ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا - 10 مارس 2026 - Reuters

وقال فرانكي بانكس لاعب هال سيتي السابق: "كانت مباراة هائلة، فقد واجهنا مانشستر يونايتد المتوج بكأس أوروبا قبل عامين، والأجواء كانت حماسية".

وأضاف: "لاعبو مانشستر يونايتد كانوا بمثابة المثل الأعلى لنا، ومن الناحية النظرية، لم تكن لدينا أي فرصة، لكننا أردنا الفوز، وأن نثبت للجميع أنه على الرغم من كونه أفضل فريق في العالم على الأرجح، إلا أننا قادرون على تقديم مباراة قوية".

وبالفعل تقدم هال سيتي بهدف كريس شيلتون في الدقيقة 11، لكن يونايتد أدرك التعادل بهدف دينيس لو قبل 12 دقيقة من النهاية، لتمتد المباراة إلى الوقت الإضافي.

ومع اقتراب نهاية الوقت الإضافي، أدرك اللاعبون أنهم على وشك أن يكونوا جزءاً من حدث تاريخي.

وقال بانكس: "تيري نيل مدربنا وزميلنا طلب خمسة لاعبين للتسديد، وكان بعض اللاعبين مترددين في التقدم لتسديد ركلات الترجيح، بينما تحلى آخرون بالشجاعة".

ولم يكن بانكس مقيداً للمشاركة في المباراة، لكنه حضرها.

وأضاف بانكس: "لم يكن هناك لاعب يريد إهدار ركلة الترجيح، أو بالأدق أن يكون صاحب أول إهدار ركلة ترجيح في التاريخ".

الأول في التاريخ

لكن بست كان سعيداً بكونه أول لاعب يسدد ركلة ترجيح بنجاح، حيث سدد كرة منخفضة بقدمه اليمنى في الزاوية اليسرى.

أما بالنسبة لهال سيتي، فقد أصبح نيل أول لاعب ومدرب يُسجل في ركلات الترجيح، ليستمر التعادل 3-3.

وقال بانكس: "كانت المباراة مفتوحة على جميع الاحتمالات، وكان الضجيج صاخباً".

لكن تصدى إيان ماكيكني ببراعة لركلة الترجيح التي سددها دينيس لو.

وأضاف بانكس: "سيظل لو يُذكر دائماً بأنه أول لاعب يُهدر ركلة ترجيح، وسيُذكر ماكيكني هو أول حارس مرمى يتصدى لركلة ترجيح".

وأهدر كين واغستاف ركلة ترجيح لهال، وانبرى ويلي مورغان ليسدد ركلته بنجاح، ويمنح التقدم لمانشستر يونايتد، وأدرك هال أنه لا بد من تسجيل ركلته الأخيرة.

وهكذا أصبح ماكيكني أول حارس مرمى يسدد ركلة ترجيح في التاريخ.

ويقول كيلي: "لم أصدق ذلك، ولم تصدقه والدتي، حتى أليكس ستيبني، حارس مرمى مانشستر يونايتد، لم يصدق ما رآه، وسأله عما يفعله".

وتقدم ماكيكني وسدد بقوة، لكن تسديدته اصطدمت بالعارضة، ليصبح أول حارس مرمى يُهدر ركلة ترجيح في التاريخ.

وقال بانكس: "ما زلت أؤكد أن إيان ماكيكني كان الخيار الأمثل، فقد كان يملك قدماً يسرى رائعة، وكان لديه الشجاعة الكافية للقيام بذلك، لكن إهداره تلك الركلة ظل عالقاً في ذهن إيان طيلة حياته".

وبالطبع، ظهر العديد من اللاعبين الذين أهدروا ركلات الترجيح مثل لو وماكيكني منذ ذلك الحين، وتوضح الاحصاءات أن نسبة إهدار ركلات الترجيح تبلغ 24%.

وحسمت ركلات الترجيح العديد من البطولات الكبرى، أبرزها كأس العالم في ثلاث مناسبات في 1994 و2006 و2022.

وكان أول لقب بارز تحسمه ركلات الترجيح هو بطولة أمم أوروبا في 1976، حيث كانت الركلة الحاسمة هي الأشهر في عالم كرة القدم، والتي سُميت على اسم "أنتونين بانينكا".

لكن قبل تلك الليلة في هال، لم يكن أحد يعلم ما مدى قسوة النظام الجديد في حسم المواجهات، وبعد أكثر من ستة عقود، لا يزال هذا الوصف قائماً.

 

قصص قد تهمك