محمد صلاح.. من "بوتقة" ممدوح عباس إلى "الملك المصري"

محمد صلاح يحتضن كأس الدوري الإنجليزي الممتاز خلال احتفالات ليفربول باللقب - 26 مايو 2025 - Reuters
محمد صلاح يحتضن كأس الدوري الإنجليزي الممتاز خلال احتفالات ليفربول باللقب - 26 مايو 2025 - Reuters
دبي -الشرق

في كرة القدم دائماً ما كانت هناك لحظات أدت إلى تغييرات تاريخية، وربما كانت تلك اللحظة لجماهير ليفربول في ديسمبر 2011.

في ذلك الوقت، تحدث ممدوح عباس، رئيس الزمالك السابق، عن عدم محاولة ناديه ضم محمد صلاح من نادي المقاولون العرب.

وقال عباس آنذاك: "صلاح يحتاج للكثير من العمل للانصهار في بوتقة الفريق، لاعب لديه ذاتية شديدة، وإن كان لاعباً كبيراً".

لكن يبدو أن بازل السويسري كان له رأي مختلف عن عباس، فبعد أقل من 4 أشهر تعاقد النادي مع صلاح.

وجاء انتقال صلاح إلى بازل، ليكتب نهاية الفصل الأول في رحلة طويلة، بدأت عندما كان يضطر هذا المراهق القادم من نجريج للسفر من قريته إلى القاهرة للتدرب في صفوف المقاولون.

وربما كانت كلمات صلاح في إعلان لإحدى شركات المشروبات الغازية معبرة عن رحلته.

وفي هذا الإعلان تحدث صلاح إلى ابنته الصغرى قائلاً: "منذ أن كنت طفلاً وأنا أحلم بأن أكون لاعب كرة قدم، لأنه أجمل حلم في العالم، لأنني شاهدت ما الذي تفعله كرة القدم في حياة الناس".

معاناة البداية

عانى صلاح من بداية صعبة في بازل، فقد وجد نفسه في مدينة تتحدث الألمانية، كما أن الجماهير وضعت عليه آمال تعويض رحيل شيردان شاكيري.

وربما توقع البعض في مصر انتهاء رحلة صلاح الأوروبية سريعاً، وعودته إلى الزمالك أو الأهلي، ولكنه أثبت خطأ وجهة نظر الجميع، وتأقلم في صفوف بازل، وساهم في تتويج النادي بلقب الدوري في موسم 2012-2013.

ظهر صلاح في دوري أبطال أوروبا لأول مرة في الموسم التالي، وساهم في انتصار بازل على تشيلسي لأول مرة في تاريخه عندما سجل هدف الفوز 1-0 في دور المجموعات، بعدما سبق أن هز شباك الفريق الإنجليزي في خسارة المباراة الأولى.

وودع بازل دوري الأبطال، لكن تشيلسي وضع صلاح تحت المجهر، ونجح في ضمه في يناير 2014.

لكن صلاح وجد صعوبة في تشيلسي الذي كان يقوده جوزيه مورينيو، واكتفى بالمساهمة في 5 أهداف بـ19 مباراة.

الرحلة الإيطالية

لم يجد صلاح مفراً من الهروب من جحيم تشيلسي إلى فيورنتينا في اليوم الأخير من الانتقالات الشتوية في 2015.

وعلى مدار أقل من نصف موسم، ترك صلاح بصمته مع فيورنتينا، حيث سجل تسعة أهداف بجانب أربع تمريرات حاسمة في 26 مباراة.

وكان من المفترض أن يلعب صلاح في فيورنتينا لمدة 18 شهراً على سبيل الإعارة من تشيلسي، لكنه رفض العودة إلى النادي في بداية الموسم الجديد، ليستقر به الحال في روما مع المدرب لوتشيانو سباليتي.

ولعب سباليتي دوراً كبيراً في تغيير صلاح من مجرد جناح جيد، إلى لاعب مذهل.

وعندما طُلب من صلاح اختيار أفضل مدرب له تحت قيادته جاءت إجابته: "لوتشيانو سباليتي فقد تطورت معه كثيراً على الجانبين الفني والنفسي".

وأحرز صلاح 34 هدفاً بجانب 21 تمريرة حاسمة في 83 مباراة مع روما على مدار موسمين.

العودة إلى إنجلترا

في الوقت الذي تألق فيه صلاح في الناحية اليمنى في روما، كان ليفربول يبحث عن لاعب يشغل هذا المركز، ليضمه إلى جوار روبرتو فيرمينو وساديو ماني.

لكن اختلفت وجهات النظر داخل ليفربول، فالمدرب يورغن كلوب كان يفضل التعاقد مع يوليان براندت، غير أن إدارة الكشافين في النادي، أصرت على أن صلاح هو اللاعب الأفضل.

وكانت المناقشات تتلخص حول افتقار صلاح للقوة البدنية اللازمة للعب في الدوري الإنجليزي، بالإضافة إلى تجربة فاشلة سابقة مع تشيلسي.

ونجحت إدارة الكشافين في النادي في إقناع كلوب بالتعاقد مع صلاح، لتبدأ رحلة تاريخية للاعب المصري.

 

 

صمت وعدو

لعب العديد من اللاعبين المصريين في الأندية الإنجليزية، لكن ما فعله صلاح في الموسم الأول فاق توقعات أي مصري.

وتوج صلاح بلقب هداف الدوري في موسمه الأول مع ليفربول، لكن الأهم كان عندما بلغ ليفربول نهائي دوري أبطال أوروبا.

وما زال الكثيرين يتذكرون تلك الليلة في أنفيلد، عندما أحرز صلاح هدفين في مرمى فريقه السابق روما في ذهاب الدور نصف النهائي قبل أن يعبر الفريق إلى المباراة النهائية.

وفي ليلة 26 مايو، تحول سيرخيو راموس مدافع ريال مدريد إلى عدو المصريين الأول، عندما تسبب في إصابة صلاح، ليخرج اللاعب المصري بعد نصف ساعة من بداية المباراة.

ولم يتوقف ألم المصريين وصلاح عند خسارة ليفربول في النهائي، فقد تسببت الإصابة في غيابه عن المباراة الأولى لمصر في كأس العالم بعد غياب 28 عاماً، والتي انتهت بالخسارة أمام أوروغواي.

ورغم أن صلاح أنهى ظهوره الأولى في كأس العالم بتسجيل هدفين، غير أن مصر ودعت البطولة من دور المجموعات.

لحظة فارقة

يظل الموسم التالي لصلاح مع ليفربول من اللحظات الفارقة في تاريخ مشجعي النادي في مصر.

فقد حقق صلاح حلمه بالتتويج بلقب دوري الأبطال وتسجيل الهدف الأول في انتصار ليفربول 2-0 على توتنهام في النهائي، ليُصبح أول لاعب مصري يحقق الكأس الغالية.

وربما تكون تلك اللحظة مهمة، لكن موسم 2019-2020، يحمل في طياته مكانة خاصة في قلوب كل مشجعي ليفربول.

فلأول مرة، يحقق ليفربول لقب الدوري في حقبة الدوري الممتاز، واستعاد اللقب الغائب منذ 1990، لكن للأسف الاحتفالات كانت كئيبة بسبب غياب الجماهير نتيجة جائحة فيروس كورونا.

هدية أخيرة ونهاية

فقد صلاح الثلاثي الذي ساهم في تتويج ليفربول بلقب الدوري برحيل ساديو ماني في 2022، ثم روبرتو فيرمينو في 2023، وأخيراً المدرب كلوب في 2024.

وأعتقد البعض أن صلاح لن يقدم لليفربول مثلما قدم من قبل، غير أن اللاعب المصري كان له رأي آخر.

وكان موسم 2024-2025 تاريخياً بالنسبة لصلاح، فقد ساهم في 57 هدفاً مع ليفربول بجميع المسابقات، وانتهى باحتفال الجماهير بلقب الدوري في الملعب لأول مرة منذ 1990.

ونال صلاح جائزة أفضل لاعب في الدوري للموسم الثاني في مسيرته، لينضم إلى أربعة لاعبين هم فقط من فازوا بالجائزة أكثر من مرة.

ورفع صلاح رصيده في الدوري إلى 186 هدفاً، قبل أن يضيف خمسة أهداف في الموسم الجديد، ليرتقي إلى المرتبة الرابعة في قائمة هدافي البطولة عبر التاريخ.

تأثير خارج الملعب

على مدار رحلته مع ليفربول التي بدأت في 2017، ظهر تأثير صلاح داخل وخارج الملعب على جماهير المدينة.

ونشرت جامعة ستانفورد دراسة تحمل ما يُعرف باسم "تأثير صلاح".

وكان لصلاح أثر إيجابي على مجتمع ليفربول، حيث ساهم تألقه بشكل كبير في الحد من ظاهرة الإسلاموفوبيا وجرائم الكراهية في منطقة ميرسيسايد.

وارتبط وجود صلاح بانخفاض جرائم الكراهية بنسبة تتراوح بين 16 إلى 19 بالمئة، كما انخفضت التغريدات المعادية للمسلمين من قبل المشجعين بنسبة 50 بالمئة.

وبعد الإعلان عن رحيل صلاح، ستحظى جماهير ليفربول بفرصة مثالية لوداعه بعدما تغنت باسمه على مدار تسعة مواسم كاملة بأغنية "الملك المصري".

 

 

تصنيفات

قصص قد تهمك